سادسًا: الجمل في الشعر العربي
لماذا نختار (الجمل) رمزًا وطنيًا؟
منذ ان نسج الانسان العربي اول خيوط قصائده في بيدائه المترامية، كانت الجمال تسير معه، لا كوسيلة نقل فحسب، بل رمزا حيا يشاركه تفاصيل حياته، التي تشكل وجدانه الشعري، فلم تكن الجمال في الشعر العربي مجرد كائن حي يذكر عرضا، بل اتخذت مكانة محورية؛ فهي الراحلة والرفيقة والملهمة، وهي الحنين والانين والصبر والوفاء، واضحت تمثل عنصرا اساسيا في حياة الانسان العربي، وامتدادا لشخصيته، وهي رفيقة اسفاره، وشاهدة علي احزانه وافراحه ومغامراته في الصحاري الشاسعة، تؤدي له وظيفة اساسية بالغة الاهمية في حياته فالابيات الشعرية التي قيلت في الجمل في المعلقات اكثر من الابيات التي قيلت تغزلا في المراة، فمثلا معلقة النابغة الذبياني بيتا يتغزل فيها في ثلاثة وعشرين، ويصف الجمل في ثلاثة وعشرين بيتا معلقة لبيد بن ربيعة بيتا يتغزل فيها في واحد وعشرين بيتا، ويسهب في وصف الجمل في ثلاثة وثلاثين بيتا، نذكر منها بطليح اسفار تركن بقية منها فاحنق صلبها وسنامها واذا تغالي لحمها وتحسرت وتقطعت بعد الكلال خدامها فلها هباب في الزمام كانها صهباء خف مع الجنوب جهامها او ملمع وسقت لاحقب لاحه طرد الفحول وضربها وكدامها معلقة طرفة بن العبد بلغت ابيات، يتغزل في عشرة ابيات منها، ويصف ناقته في ثلاثين بيتا، فكان من ابرع من تعلقوا بالجمال، حتي بدت الجمال كانها الموضوع المركزي في المعلقة كلها، اسهب في وصف محاسنها وتناسق جسدها، فهي المركز الذي يتمحور حوله عالم طرفة، وعمود الخيمة في معلقته، ومن تلكم الابيات واني لامضي الهم عند احتضاره بعوجاء مرقال تلوح وتغتــــــــدي امون كالواح الاران نصاتها علي لاحــــــــب كانه ظهر برجد جماليــــــــة وجناء تردي كانها سفنجة تبــــــــري لازعر اربد تباري عتاقا ناجيات واتبعت وظيفا وظيفا فــــــــوق مور معبد الجهة اليسري واستمر ذكر الجمال في الشعر العربي بعد الاسلام، ومن ذلك قول عبد الله بن رواحة رضي الله عنه في مدح النبي ﷺ تحمله الناقة الادماء معتجزا بالبرد كالبدر جلي ليلة الظلــــــــم وفي عطافيــــــــه او اثناء بردته ما يعلم الله من دين ومن كــــــــرم ومن ذلك قول حسان بن ثابت رضي الله عنه يصف روعة قلب ناقته مروعة لو خلفها صر جنــــــــدب رايت بها من روعــــــة القلب افكلا والافكل يعني الرعدة، والمعني انها شهمة كانها مفزعة من شهومها، فلو صر جندب لارتعدت فزعا من صوته شارك الشاعر العربي الجمال مشاعرها، واستدل بها علي مشاعره، ومن ذلك مثلا الحنين اليائس روي انه لما قتل مالك اخو متمم بن نويرة، حضر الي المسجد النبوي، وصلي الصبح خلف ابي بكر الصديق رضي الله عنه ولما انتهي من صلاته قام بحذاء ابي بكر، وراح يرثي اخاه مالكا ويبكيه حتي دمعت عينه العوراء، فقال الحطيئة لا والله ما بكي بكاءه عربي قط ولا يبكيه ، ثم عاود الحزن من جديد، فضرب ذلك مثلا للنوق اللاتي فقدن حوارهن اولادهن ؛ حتي وصف نفسه بانه اشد منها جزعا وحنينا، قال متمم بن نويرة وما وجد اظار ثلاث روائم اصبن مجرا من حوار ومصرعا يذكرن ذا البث الحزين ببثه اذا حنت الاولي سجعن لها معا اذا شارف منهن قامت فرجعت حنينا فابكي شجوها البرك اجمعا والاظار جمع ظئر، وهي نوق يعطفن علي حوار واحد، وهنا يقترب متمم المعني الي اذهان المتلقين، ويجعلهم اقدر علي تصور حزنه علي اخيه، فعمد الي صورة واقعية في زمانه، وغذاها بشحنة عاطفية كبيرة، وهي صورة الاظار الثلاث اللواتي فقدن حوارا، فهن علي الدوام يبكينه بحرقة، فيبكي حنينهن الحزين النوق جميعا واذا كانت هذه مكانة الجمال في الشعر العربي، وفي المعلقات في العصر الجاهلي والاسلامي، فلا غرابة ان نجد الابل حاضرة في الشعر العربي السعودي منذ تاسيس الدولة السعودية الاولي حتي وقتنا الحاضر، حيث مثلت الجمال مصدر اعتزاز وفخر لمن يمتلكها، فخلد الشعراء اسماءها وصفاتها، ونظموا فيها قصائد متنوعة تصف منزلتها عند اصحابها ومدي حبهم لها، وطباعها وحنينها الي مراتعها، ومن امثلة حضور الجمال في هذه الاشعار انشد الموحد، الملك عبدالعزيز، في طريق العودة من معركة روضة مهنا لاهل الهجن قصيدة منها هذا البيت، قائلا ليا ركبنــــــــا علــــي الضمر الحــــرب نحمــــي مشاهيبهــــه عرف الشيخ راكان بن حثلين رحمه الله بالاكثار من ذكر الجمال في اشعاره، ومن ذلك قوله يا راكــــــــب حمرا تبوج اللنيــــــة حمرا وفيها من وصايف عمانـــي يا فاطــــــــري ذبي خرايم طميــــه يوم اشرقيت مثل خشم الحصانــي ذبي طميـــــــه والفياض العذيــــه وتنحري بــــرزان زيــــن المبانـــي في مطلع احدي قصائد الامير محمد بن سعود بن فيصل سنة هـ، بدا قصيدته بوصف الناقة الراحلة، فقال بديت ذكر الله علي كل شانـــي الواحـــد المعبود بالرشـد له فـن وخــــلاف ذا يا راكبين سمان يشدن شياهين علي الجول يهون قطم الفخوذ مقولمات الاذانــــي شقر ولون اذيالهـن لونهـن هـن في رسالة بعثتها موضي الدهلاوية من اهل الرس للدرعية، تشد فيها من عزيمة السعوديين، وتبث فيهم روح الحماسة، وصفت في مطلع رسالتها تلك الناقة الراحلة التي تنقل هذه الرسالة قائلة هيه يا راكــــــــب حمرا ظهيــــره سـر وملفاك للعوجا مسيـــــــــره ياهل الحزم يا نعم الذخيـــــــــــرة تـزعج الكور نابية السنام ديــــــــرة قال الشاعر بن قويد الذي شارك بناقته في معارك التوحيد، عندما اراد احد التجار شراءها منه الهجن ما هيب لك بالبايع الشاري تهيا لمن هو ينوس العلم ويجبي له يا زين داهومهن عافيهن الــــذاري مع تختح خـالــــي جـر العوا ذيبــــه كم وردت منهل عقب العرب صاري عـفوا جنابـه وبيـــاس مغاريـبــــه قال الشاعر عدوان الهربيد الشمري البل عطايـــــا الله مجانيس الالوان حدب الظهور وناسمات المتوني البل ذبايحها عطيبيـن الاطعــــــــان لباسـة الجوخ الحمر والزبونـــي